دراسة حديث (يخرج من ثقيف كذاب ومبير) وأثر العداوات القبلية في وضع الحديث
أ. صالح السهيل

روى مسلم والحاكم والطبراني من حديث الأسود بن شيبان عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة. قال فجعلت قريش تمر عليه والناس. حتى مر عليه عبد الله بن عمر. فوقف عليه. فقال: السلام عليك، أبا خبيب! السلام عليك، أبا خبيب! السلام عليك، أبا خبيب! أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله! إن كنت، ما علمت، صواما. قواما. وصولا للرحم. أما والله! لأمة أنت أشرها لأمة خير. ثم نفذ عبد الله بن عمر. فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله. فأرسل إليه. فأنزل عن جذعه. فألقي في قبور اليهود. ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر. فأبت أن تأتيه. فأعاد عليها الرسول: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك. قال فأبت وقالت: والله! لا آتيك حتى تبعث
إلي من يسحبني بقروني. قال فقال: أروني سبتي. فأخذ نعليه. ثم انطلق يتوذف. حتى دخل عليها. فقال: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك. بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين! أنا، والله! ذات النطاقين. أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطعام أبي بكر من الدواب. وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه. أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا “أن في ثقيف كذابا ومبيرا” فأما الكذاب فرأيناه. وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال فقام عنها ولم يراجعها.
أقول: أبو نوفل بن أبي عقرب، لم يروِ عنه مسلم سوى هذا الحديث، وروى له ابو داود حديثاً عن عائشة في استحباب الجوامع من الدعاء، والنسائي حديثاً عن أبيه في استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهو الحديث الوحيد الذي يثبت صحبة أبيه.
ومنه يتبين أنهما رويا له أموراً تتعلق بفضائل الأعمال فحسب، وهو أمر محتمل، بخلاف حديثه الذي في مسلم.
ولم يوثق أبا نوفل هذا سوى ابن سعد، وابن معين في رواية إسحاق بن منصور عنه، وابن حبان.
وابن سعد لا يعتبر بتوثيقه، لأن مادته أكثرها من الواقدي.
أما ابن معين فتوثيقه اجتهاد مبني منه على دراسة احاديثه، لا عن معرفة خاصة به، وقد علمت ان احاديثه ليست بالكثرة التي يمكن ان يبنى عليه توثيقه.
أما ابن حبان، فتوثيقه بناء على قاعدته من توثيق المجاهيل.
وعلة هذا الحديث التي وفقني الله اليها ولم أرَ من تنبه لها: أنها قائمة على العداوة القبلية بين قبيلة أبي نوفل هذا وثقيف، وهو موضوع بكر حقيق بالبحث من المهتمين بالحديث.
وبيان هذا: أن أبا نوفل هذا كناني من بني عريج بن بكر، وقبيلة كنانة كان لها عداء جاهلي معروف مع قبيلة ثقيف.
فإنه من المعلوم أن حرب الفجار ، كانت من أشد حروب الجاهلية وذحولها وعداواتها، وسببها أن البرّاض بن قيس الكناني، الذي يضرب به المثل في الفتك، قتل عروة الرحال بن عتبة الهوازني في الأشهر الحرم، فهاجت قبائل قيس عيلان له، وهي تضم هوازن وثقيف وغطفان، فاستجار البراض بقريش، فأجارته، فكان ذلك سبب نشوب حرب الفجار بين الطرفين.
فلا يستغرب بعد ذلك أن تبقى عداوات الجاهلية إلى ما بعد الإسلام، وأن يأتي راوٍ من قبيلة كنانة فتجره تلك العداوة إلى أن يضع حديثاً في ذم ثقيف، ويغتر بهذا الحديث بعض المحدثين دون التنبه لتلك الحقيقة التاريخية.
وقد فضح ابو نوفل كذبه حين قال: فألقي ابن الزبير في قبور يهود، واي قبور لليهود هذه التي كانت في مكة؟
ولحديث أبي نوفل في ثقيف متابعات وشواهد ضعيفة.
فرواه أحمد والحاكم من طريق عوف بن أبي جميلة عن أبي الصديق عن أسماء، وعوف رافضي يروي ما يؤيد مشربه في ذم بني أمية وعمالهم.
ورواه أحمد من حديث هارون بن عنترة عن أبيه عن أسماء، وهارون مختلف فيه، وضعفه ابن حبان، وذكر أنه منكر الحديث، وأنه يروي المناكير الكثيرة حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها، وهذا جرح مفسر.
وللحديث شاهد من حديث ابن عمر، رواه ابن سعد، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ورواه الترمذي وأحمد من طريق آخر، واستغربه الترمذي، وفيه شريك بن عبد الله، وهو ضعيف ايضا.
احسنت استاذ صالح على هذا التوضيح والبيان
الحقيقة ان مثل هذه الروايات هي ما افسد علينا فهم التاريخ وشوّه الصفحات الناصعة فيه
نحتاج كثيرا لمثل هذه المقالات التي يقدمها لنا الاستاذ صالح التي يبين فيها باختصار صحة وعوار هذه الروايات التي شاعت بين الناس وصارت مسلمة لا يناقش حولها الا قليلا.
شكرا لهذا الجهد المثابر في كشف الدسائس الفارسية
من وقت طويل كنت اشوف كل هذي الروايات اللي تقدح في شخصيات معينة ليست الا روايات مكذوبة وملفقة .
مستحيل عقلا يذكر النبي شخص بعينه وينتقص منه؟!
نقد واضح ومختصر يبين العلة ويشير إلى عمق المشكلة بعيدا عن المطولات الحديثية التي تعقد الطرح وتفقد القارئ السيطرة على فهمه.
شكرا استاذ صالح على هذا المقالات العلمية.. استفدنا منها كثيرا
انظر الى القصة كيف حبكت ونسجت بين خيوطها صورة عاطفية حزينة تثير في النفس مشاعر الألم والرغبة في الانتقام ممن آذى ذات النطاقين …ثم انظر لهذ الاخلاق التي في قوله(لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك) هل هذه اخلاق العرب .. ؟!
في رواية واحد صنع المزورون صورة مشوهة للحجاج وانتزعوا منه كل اخلاق العرب فروسيتهم التي تترفع عن مثل هذا ..ونسوا أنه ابن قبيلة عربية عريقة لا يفعل ابناءها في هذا العصر هذا الفعل الذي الصقوه بالحجاج فكيف بابن ثقيف الذي تربى ونشأ في ذلك العهد القريب من خير القرون!!!
رحم الله الحجاج ورضي عنه ..
هذه المقالات تجسد لنا الخطوات الصحيحة للوعي والإدراك من خطورة ثقافة التشيع التي أصابت ثقافة أهل السنة بالإفتراء على قادة الدولة الأموية.
موفق دوما استاذ سهيل في اختيار الموضوعات التي تطرحها و كلها استفادة ووعي لندرك حقيقة ما يطرح علينا
جزاكم الله خير فضيلة الدكتور طهوالدليمي ، وفقنا الله وإياكم لخير الأمة، ونسأله تعالى أن يستعملنا ولا يستبدلنا.
في ظل هذه الظلمة المظلمة لابد من دراسة التاريخ الروائي لكتب أهل السنة والجماعة وتخليصها من دسائس الفرس على مر العصور السابقة لأنهم ما وجدو قائدا فذا وله دور بطولي إلا طعنو به.
بوركت أستاذ صالح وما تكتبه من مواضيع مهمة
تبين فيها أحاديث المدلسين إعداء أهل السنة
فنحن بحاجة إلى هذه المقالات الساطعة لنشر الثقافة السنية الواعية والدفاع عن سادة العرب أجمعين
الأستاذ صالح السهيل
رأيه المعروض في هذه الدراسة عميق ودقيق، ويكشف عن قدرة نقدية متمكنة في التعامل مع الحديث النبوي من حيث المتن والسند والسياق التاريخي والاجتماعي.
وهذه الدراسة التي أعدها الأستاذ صالح السهيل تمثّل نوعًا من النقد الحديثي الذي يدمج بين التحليل السندي وفهم البواعث الاجتماعية والقبلية التي قد تؤثر في الوضع أو النقل.
وسأبيّن رأيي حول أهم النقاط الواردة في الدراسة، مع تعليقات نقدية محايدة:
أولًا: إسناد الحديث
حديث “في ثقيف كذاب ومبير” له عدة طرق، وأكثرها تدور على رواة فيهم ضعف، كما تفضل، منهم:
أبو نوفل بن أبي عقرب:
لم يوثقه سوى: ابن سعد، ابن معين (رواية إسحاق)، وابن حبان.
ابن سعد ليس معتمدًا في التوثيق كما ذكرت؛ لأن أغلب روايته عن الواقدي.
وابن حبان معروف بتوسعه في توثيق المجاهيل.
وابن معين لم يكثر عنه النقل ولا يعرف له متابعون كُثر.
إذن: توثيقه ليس قويًا.
عوف بن أبي جميلة:
فيه تشيع، لكنه صدوق. غير متّهم بالكذب لكنه قد يجنح لما يوافق مشربه.
هارون بن عنترة:
فيه ضعف صريح، ورُمي بالمناكير.
علي بن زيد بن جدعان، وشريك بن عبد الله:
كلاهما ضعيف، لا يُحتج بهما في مثل هذا الباب، خاصة في التفسير أو العقيدة أو المناقب.
النتيجة الحديثية:
لا يصح الحديث من حيث السند.
ثانيًا: المتن وظروف روايته (العداوة القبلية)
هذه النقطة جوهرية جدًا، وهي التي أضفت على دراسة أ. صالح السهيل بعدًا علميًا واجتماعيًا نادرًا:
أبو نوفل كناني من بني عريج بن بكر، وعداوة كنانة مع ثقيف تاريخية، خصوصًا بعد حرب الفِجَار، التي كانت حربًا طاحنة بين قريش/كنانة من جهة، وثقيف/هوازن من جهة أخرى.
الإشارة إلى أن الراوي نشأ في بيئة فيها إرث من العداء القبلي مع ثقيف، تقوي احتمال أن هذا الحديث قد يكون موضوعًا أو محرفًا، خاصة أنه يتهم قبيلة بعينها بصفات ذميمة عامة (كذاب، مبير).
وهذا الأسلوب (القدح في القبائل بالحديث النبوي) معروف في كتب الموضوعات، وله شواهد أخرى كثيرة، مثل:
“أول من يغير سنتي رجل من بني أمية”.
“إذا ملك الخلافة رجل من بني العباس كان السفياني في خراسان”.
وغيرها…
وهذه كلها يدخلها الوضع السياسي أو القبلي.
ثالثًا: القرائن الداخلية في المتن
إشارته إلى جملة “فأُلقي في قبور اليهود” مهمة جدًا، ومثيرة للتساؤل:
مكة لم تكن معروفة بوجود مقابر يهود أصلًا، لأن اليهود لم يسكنوها على نحو واضح.
فذكر “قبور اليهود” في مكة يدل على عدم معرفة، أو خلل في السرد التاريخي.
وهذا يُضعف الحديث أيضًا من جهة نقد المتن، لا السند فقط.
رابعًا: الحديث في كتب السنة المعتمدة
حديث “في ثقيف كذاب ومبير” موجود في صحيح مسلم، وهو أمر يستدعي التأني.
لكن رواية مسلم فيه قيل مرسلة وقيل مدرجة على لسان أسماء بنت أبي بكر، ولا يرفعه إلى النبي صراحة.
مسلم نفسه رواه ضمن قصة مقتل ابن الزبير، وأدرج فيه هذه الجملة دون حكم صريح عليها، مما يجعل ورودها كمُدرج أو تعليق من أسماء محتملًا.
وهذا مهم: لأن مسلم لم يعلّق في مقدمته على هذا الحديث، ولم يجزم برفعه للنبي ﷺ في سياق واضح.
خامسًا: نقد شامل واستنتاج علمي
الحديث ضعيف سندًا.
المتن فيه نكارة وجاء ضمن قصة درامية متأخرة، فيها حوار طويل بين الحجاج وأسماء بعد مقتل ابن الزبير..
يستهجن وقوعها العقل السليم في أجواء مناسبة الحدث.
وللحديث شواهد ضعيفة أو موضوعة.
الخلفية القبلية تدعم احتمال الوضع.
المتن فيه تفاصيل غير منطقية (مثل قبور اليهود في مكة).
السياق السياسي والقبلي (الحجاج/ابن الزبير/بني أمية/ثقيف) يُستغل كثيرًا في وضع الأحاديث.
النتيجة النهائية:
الدراسة سليمة من حيث المنهج النقدي، والتحليل السندي والمتني، وهي تثير قضية بالغة الأهمية في علم الحديث: تأثير العداوات القبلية على وضع الروايات.
وقد أحسن أ. صالح السهيل في اختيار موضوع مهم، ومن زاوية مهملة في الغالب…
.
.