لم نُهزم لضعفنا… بل لأننا أخطأنا تحديد الخطر
إنّ مناعة الأمم ضد الاختراق والاعتداء مرهونة بالوعي بالخطر الموجّه ضدها وتحديد هويته وحجمه. لذا فإنّ إخفاق السنة في مواجهة التمدد الإيراني وحلفائه لم يكن سببه نقصاً في الإمكانات، بل عجزاً عن تشخيص الخطر الخارجي، وسوء تقدير للدور السياسيّ للقوى الشيعية داخلياً، والتي أثبت التاريخ -لاسيما بعد عام ٢٠٠٣- عدم انسجامها مع مفهوم الدولة والشراكة الوطنية؛ وتلك هي جذور الأزمة.
أهداف المراجعة الفكرية: لا يهدف المقال لإنكار جهود القوميين في مواجهة الفرس، ولا التقليل من جهد بعض النخب الإسلامية في كشف زيغ عقيدة التشيع؛ بل يبتغي ما هو أبعد: ترتيب أولويات الخطر، ورسم استراتيجيات التصدي له (دينياً وسياسياً واجتماعياً). كما يترفع عن السِّجال مع مَن يتوهّم أن مصاهراته مع الشيعة ضامنة للاستقرار، أو من يَغض ُّالطرف عن حقيقة طائفية الشيعة.
يكشف المقال أن التجارب السابقة وتراكماتها هي أسباب ضعف الوعي الجمعي، الذي يتأثر بتراكم التجارب والموروثات. ولذا (لتصحيح معايير تحديد الخطر)، لا بدّ من مراجعة تراكمات أفكارنا وتجاربنا لا سيما تجربتي )المشروع الإسلامي) و(المشروع القومي العربي).
التراكمات الفكرية وأثرها في ثقافة الوعي بالخطر:
ساهمت تجربتان فكريتان في صياغة وعي “ناقص” تجاه مصادر التهديد الحقيقية:
أولاً: تجربة الفكر القومي العربي
سعى الفكر القومي لصهر الفوارق الدينية والمذهبية تحت شعار وحدة “الأمة العربية” لمواجهة الاستعمار الغربي.
وعند تأسيس الدول العربية اصطدم هذا المشروع ب تعدد الدول العربية الذي فرضه الواقع والخصوصيات المحلية، فاندلعت الصراعات الطائفية بدلاً من بناء دول مؤسساتية قوية، وهذا بسبب التمسك بالشعارات الوحدوية لمناهضة الغرب وضعف الوعي بالخطر الداخلي المتمثل بالعقيدة الشيعية المناهضة للدولة وللتعايش.
ثانياً: تجربة المشروع الإسلامي
لقد كان جهد الإسلاميين مبنياً على وجود الأمة الإسلامية كركيزة للصراع الإسلامي-الغربي، متناسين أن وجود الأمة وجود حضاري انتمائي غير موجود في الواقع وفي ظل تعدد تعدد الدول العربية وتعدد الأخطار الموجهة ضدها.
حَصر الإسلاميون مفهوم الخطر بالخطر الغربي، ونتيجةً لفكرة “الأمة الإسلامية” أدرج بعضهم الشيعة وإيران ضمن هذه الأمة متجاهلين العقيدة الشيعية المناهضة للدين الإسلامي السني!
وهكذا وقع الفكر الإسلامي فيما وقع فيه الفكر القومي من رؤية أحادية للخطر وانحصرت رؤية الخطر في “الاستعمار الغربي” وحده وأُغفِلت الأخطار الأخرى.
بناءً على ما سلف، فقد كبّلت تلك التراكمات وعينا في إطار “الخطر الغربي” غافلةً عن تهديدات الشرق وفي طليعتها إيران، وإن ّالعجز عن رصد الخطر الإيراني لم يكن لغموضه، بل لتبنينا سرديات جاهزة عن فكرة الخطر عطّلت إدراكنا للأخطار الأخرى؛ مما أعاق أي ّاستجابة فاعلة لأي خطر آخر وإن لم يكن جديدا.. ولذا توجّب علينا تبني سردية أخرى وفكرا آخر..
إنّ مناعة الأمم ضد الاختراق والاعتداء مرهونة بالوعي بالخطر الموجه ضدها، بتحديد هويته وحجمه وأولويته؛ لذا فإنّ إخفاق السنة في كبح التمدد الإيراني وحلفاؤه سببه العجز في تحديد ذلك الخطر وضعف الوعي الجمعي الذي يتأثر بتراكم التجارب والموروثات. ولذا لتصحيح معايير (تحديد الخطر)، لا بدَّ من مراجعة تراكمات أفكارنا لا سيما تجربة (الفكر الوطني) والتجارب والقيود الأخرى المُكبّلة للثقافة السنية.
أولاً: تجربة الدولة القطرية وانبثاق الفكر الوطني
مع نشوء الدول العربية الحديثة، ومنها العراق، تبنّت النخب السياسية شعار الوحدة الوطنية، وكان من بينهم (إسلاميون وقوميون)، وتغاضوا عن خطر الشيعة السياسي والثقافي رغم الشواهد الدالّة على اقتراب الصِدام. فكان الفكر الوطني الجديد قائم على استرضاء الشيعة بدلاً من الوعي بخطرهم، بذريعة الحفاظ على الدولة الواحدة!
وهكذا انحصرت الرؤى القومية والإسلامية والوطنية عند تصور (الخطر الغربي) وحده، وأهملت المهدِدات الداخلية؛ وأهمها الخطر الإيراني المتربص شرقاً، وإشكالية المكوّن الشيعي كفاعل مناهض للدولة من داخلها. ولو اتسع وعي النخب لتلك الأخطار لكان الواقع مغايراً، إذ إن التغاضي عن الخطر الداخلي والديني تحت لافتة (الوحدة) عجّل بالتفكك بدلاً من التلاحم.
كما إنّ قصور الثقافة السائدة عن إدراك الأخطار -خارج إطار المواجهة العسكرية المباشرة- غيّب حقيقة الطموحات الإيرانية؛ نظراً لغياب الصدام المسلح في أوائل القرن الماضي، فساهمت النخب ووسائل الإعلام بتصوير الخطر بأنه خطر عسكري غربي. وهذا ما أدى إلى إغفال دور الطموح المذهبي وطبيعة التفكير الشيعي في الحرب العراقية الإيرانية، وفي التمدد الإيراني بعد عام 20٠٣ وبعد عام ٢٠١٤.
ثانياً: مآلات ما بعد الاحتلال
بعدما حدث التمايز والصراع بين السنة والشيعة، شهد السنّة تحول السلطة إلى أداةٍ إقصاء مذهبية يسيطر عليها المكوّن الشيعي وميليشياته. ورغم بلوغ التضييق حدّ الانتهاك الممنهج لجميع مقدسات السنة، استمرّ تستر الشيعة بغطاء الوحدة الوطنية لتبرير أفعالهم! ومع ذلك امتنع السنة عن قراءة جذور هذه الطبيعة المجتمعية.
كما أنّ هناك تراكمات اخرى، منها:
- (الإرهاب الفكري) الذي مارسه الخطاب الغربي والشيعي عبر وصم أيّ تحذير من التمدد الطائفي الشيعي بـ (الإرهاب)؛ بغرض فرض رهبة عند السنّة عن الوعي بواقعهم، لتمارس القوى الشيعية أجندتها بحرية بأسم الدولة؛ وقد دفع هذا الضغط ببعض السنّة إلى إنكار هذا الخطر تحاشياً للمواجهة المسلحة، غير مدركين أنّ المواجهة فكرية وثقافية بالدرجة الأساس.
إنّ ذلك يستدعي ضرورة دراسة العقيدة الشيعية وتأثيرها في السلوك الجمعي، وأساليب الشيعة في إشاعة دعوى “المظلومية” إضافة لرمزية “آل البيت” لإقصاء المخالفين تمهيدا لتشييع العراق بِحُرية.
- توظيف إيران للقضية الفلسطينية وتجييشها الشيعة عقائديًا، وسعيها إلى كسب السُنّة سياسيًا، أسهم في تضليل الوعي السُنّي وإخفاء خطر مشروعها الحقيقي.
الخاتمة:
لقد كشف الواقع عن قصور الثقافة السنّية السائدة التي انكفأت قرناً كاملاً على مواجهة (الخطر الغربي)، غافلةً عن التهديد الإيراني؛ مما صنع وعياً لا يرى الخطر الإيراني والشيعي.
إن إحياء التعايش رهينٌ بصيانة حقوق الوجود السني، لا بهدف إغفال الخطر الغربي أو إحياء الصراع المسلح، بل إلى ترسيخ ركيزتين أساسيتين: إدراك الخطر الإيراني بوصفه تهديدًا وجوديًا، والتشخيص الدقيق للمهددات الشيعية الداخلية، وهو تشخيص يسبق طرح السؤال الآتي: كيف يمكن ابتكار الحل من دون تمييع القضية أو تطرف في معالجتها؟
أ.عبد الكريم عادل